صبا شموط – نبض سوريا
صيدنايا ليس مجرد اسم أو مجرد بقعة جغرافية في جبل القلمون شمال دمشق، بل ارتبط بأكبر مأساة عاشها السوريون في فترات حكم الأسد الأب والابن.
مأساةٌ سُطرت بالدم والدموع يرويها من نجى بمعجزةٍ من ذلك “المسلخ البشري” كما أطلق عليه الناجون وعائلات المفقودين؛ ذلك السجن سيئ السمعة والصيت، والغني عن التعريف، والذي لطالما بثّ ذكره الرعب في نفوس الشعب السوري. “الهروب مستحيل، والموت أو حكم الإعدام كان أمنية”، هذا ما قاله أغلب الناجين وذوي الضحايا.
من أبرزهم المعتقل السابق والناشط ابن مدينة بانياس الساحلية، عمر الشغري، في إحدى مقابلاته: “كسجين كنت دائماً في وضعية الركوع التي اعتدت عليها في صيدنايا، ولذلك لم أكن أرى سوى الأرض. قال لي الضابط: حابب تموت أو تنتقل لسجن تاني ولا تشوف أمك؟ في طريقي إلى الضابط علمت أنني سوف أموت، فكان يجب أن أجيب: أنا حابب موت سيدي. على غير المعتاد سألني: ليش حابب تموت يا غبي؟ لم أستطع الإجابة، وكنت أسمع كلمات الوعيد بالإعدام إلى أن أخرجوني خارج بناء السجن ورموني على الأرض بوضعية السجود لتنفيذ الإعدام. كنت أسمع صوت احتكاك الأحجار الصغيرة مع حذاء الضابط المسؤول عن العملية بينما كان يمشي أمام صف العساكر ويحدثني عن الموت. وآخر شيء قاله كان: لقّم، سدّد، نار. وقتها توقف الوقت، ولأن الإنسان لا يعرف كيف هو شعور الموت، ظننت نفسي ميتاً. أريد أن أموت يا سيدي”.
إحدى وسائل النظام السابق في الترهيب كانت جعل المساجين يظنون أنهم ذاهبون إلى الإعدام بعد مشوار طويل من التعذيب الوحشي، فيعتقد المسجون أن وقت الرحمة قد حان والتعذيب قد انتهى، وهي إحدى الأساليب المتبعة من قبل السجانين لجعل المساجين يعتقدون أنه لا مفر، وأنه في صيدنايا وباقي أفرع النظام، حتى الموت لن يستطيع أن ينقذهم، ولا رحمة لهم. تنتهي مسرحية الإعدام باقتيادهم إلى “المنفردة” أو “غرفة الملح” حسب حظوظهم ومزاج الضباط. غرفة الملح هي التي تُحفظ فيها الجثث ويُترك فيها السجين عدة أيام محاطاً بالجثث وأحياناً بدون رشفة ماء إلا ما يبقيه على قيد الحياة.

يحدثنا السيد ياسين حاج حسن، أحد أبناء مدينة اللاذقية وشقيق الشهيدين بسيم وإبراهيم حاج حسن، عن الوحشية التي شهدها؛ فلم يكتفِ النظام السابق بتعذيب الضحايا جسدياً ونفسياً، بل كان يضغط أيضاً على عائلاتهم ويبتزهم عن طريق مخبرين وسماسرة مختصين لسجون الأسد، غالباً ما يحملون الصفة المدنية لا العسكرية. يقول ياسين: “اعتُقل أشقائي بسبب التظاهر، وتم تلفيق تهم كاذبة لهم كحمل السلاح والقتل وتمويل الإرهاب. اعتُقل بسيم عام 2012 وتبعه شقيقه إبراهيم بعد 6 أشهر من اعتقاله وإخفائه القسري. لم تستطع عائلة بسيم تحديد مكانه إلا أنه وُجد في صور قيصر جثة هامدة تظهر عليها أعراض التجويع والتعذيب. أما أخوه إبراهيم فكان قابعاً في صيدنايا، وكان ضخماً فارع الطول يهوى الرياضة والسباحة كأغلب شباب الساحل السوري. عندما سمحت السلطات التابعة للنظام بالزيارة، كان وزن إبراهيم لا يتجاوز 40 كيلوغراماً، هزيلاً شاحباً وآثار التعذيب واضحة تماماً عليه.
مدة الزيارة كانت 5 دقائق من خلف السياج، يبدأ الوقت منذ السماح للزائر بالدخول، حيث يستغرق الدخول بالحافلة إلى مقر الزيارة حوالي 3 دقائق، وجلب السجين حوالي دقيقة، وإن كنت محظوظاً فسيكون ضباط الأسد قد أحضروه مع دخولك إلى السجن وتتاح لك دقيقتان فقط للحديث. طبعاً، يعذب السجين قبل وبعد الزيارة، وغالباً ما يرتدي فقط الملابس الداخلية حتى في أيام الشتاء القارس. يدخل السجين مقيداً ويمسكه حارسان من اليمين واليسار، وحارس آخر موجود خلفي، ورابع خلف شقيقي. وظيفة الحارسين الأخيرين هي مراقبة عيون وشفاه كل من السجين والزائر للتأكد من عدم توصيل أي رسالة، ولو بالنظرات أو تحريك الشفاه. كانت الأسئلة محدودة: كيف حالك؟ أنت بخير؟ أمي ترسل لك سلامها. لم أستطع أن أسأله عن شقيقي بسيم لأن ذلك كان ممنوعاً وقد يشكل خطراً عليهما.
بعد الزيارة يأتي السماسرة، مخبرو السجون، ليقولوا إنهم يخلعون أظافر أخوي ويعذبونهما، وأن علي الدفع للحفاظ على حياتهما وسلامتهما. كانوا يعدونني بزيارة أخي بعد أن دفعنا لهم الكثير، لكن مزاج آمر السجن كان يكفي ليقول: “ما في زيارة اليوم” لأعود من دمشق إلى اللاذقية بعد تقديم الرشاوى والإتاوات وأيام من التعب والسفر.
في آخر زيارة لإبراهيم، كان أبيضاً شاحباً كالحائط الذي يقف خلفه، بالكاد كانت لديه الطاقة لينظر إليّ، وقال لي: “ما بقا تجي”، كانت تلك كلمة السر بين الأسرى وأهلهم، إنها النهاية. إبراهيم سيُقتل وليس بيدنا شيء، وهذا ما حدث بالفعل عام 2017، اتصلوا بي من السجن قائلين إن أخي قد قُتل. لم نستلم رفاته ولا رفات بسيم كذلك.
ما بعد التحرير:
هذه هي التفاصيل المعروفة لدى أغلب السوريين، لكن بعد التحرير كان هناك ما هو أكثر من مجرد تعذيب واغتصاب. دخل الثوار السجن سيئ الصيت وقاموا بفتح الزنازين، وكان ما وجدوه صادماً: أطفال وُلدوا داخل السجن، يعانون من سوء التغذية ونوبات الهلع. لم يعرفوا يوماً الشمس ولا العصافير. آخرون اعتُقلوا في أعمار 10-13 عاماً وقضوا حوالي 10 سنوات أو أكثر داخل الزنازين، نسوا أسماءهم وأعمارهم، وفقدوا عقولهم من هول ما رأوه.
اكتشفت فرق الدفاع المدني غرفةً تحوي شاشات متصلة بكاميرات مخصصة للبث الحي لأفعال لا أخلاقية. كما عثروا على وصولات تثبت اتجار نظام الأسد بأعضاء الأسرى مع جهات روسية وإسرائيلية.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، تنتشر الفرق التطوعية والجهود الحكومية في البلاد على أمل العثور على أثر للمفقودين. كل يوم يُكتشف مقبرة جماعية أو اثنتان في أماكن متفرقة من سوريا. هل ستعثر الأسر السورية على أبنائها المفقودين يوماً؟ لا إجابة واضحة أمام هذه الكارثة الإنسانية التي راح ضحيتها الملايين، وسيخلدها التاريخ كواحدة من أكثر الجرائم وحشيةً على مر العصور.


