نبض سوريا – حمص
رغم مرور أشهر على تحرير سوريا، ما تزال شريحة واسعة من الفتيات في بعض الأحياء بمدينة حمص تعزف عن العودة إلى مقاعد الدراسة، سواء في المدارس أو الجامعات، في مشهد يعكس عمق التوتر والقلق الذي يحول بينهن وبين المدارس والجامعات، مما يضع الكثير من الفتيات أمام مستقبل بلا تعليم.
أسماء ضائعة بين البيوت والجدران
في حي الخالدية، الذي كان يومًا من أكثر المناطق اشتعالًا، تعيش الطالبة السابقة “آلاء الجباعي” (18 عامًا) حالة من العزلة. كانت تلميذة مجتهدة في الصف الحادي عشر، وتحلم بدخول كلية الطب. تقول والدتها: “منذ تحرير الحي، لم تعد آلاء قادرة على الخروج من البيت بمفردها. تنتابها نوبات خوف عند رؤية السلاح او سماع اصوات سيارة الشرطة، حاولنا إقناعها بتحسن الواقع وضرورة العودة للمدرسة، لكنها رفضت بشكل قاطع”.
قصة آلاء ليست حالة فردية. في حي النزهة، تسكن “رغد الحسين ” (21 عامًا)، وهي فتاة جامعية كانت تدرس الأدب الإنكليزي، لكنها انقطعت عن الجامعة منذ ديسمبر الماضي ، وتعمل الآن في الخياطة داخل منزلها “لم أعد أتحمل النظرات ، وحتى تعليقات الأقارب. يقولون لي: ” انتبهي على حالك … بطريقة وكأني لن أعود ” ، وتضيف بنبرة توتر : “هناك خوف داخلي لا يزول… من الطريق، من المجهول، من كل شيء”.
عقبات تتجاوز الشوارع والحواجز
ورغم جهود الأمن العام في حمص، التي شملت تكثيف الحواجز الأمنية، ومرافقة دوريات في ساعات الذروة أمام بعض المدارس، وتعميم رسائل توعية للمجتمع المحلي حول أهمية التعليم، إلا أن زوال الخوف يحتاج لوقت أطول من المتوقع .
الجهل المقنع بالخوف
الأخصائية الاجتماعية “صفاء محمد “، التي عملت ضمن فريق دعم نفسي في المدارس الحكومية بمدينة حمص، ترى أن جزءًا من المشكلة يكمن في الخلط بين الحذر والخوف المزمن “كثير من الفتيات اللواتي توقفن عن الدراسة لا يشعرن بالقدرة على المواجهة، ويشعرن بأن العالم في الخارج غير آمن بطبيعته. نحن نتحدث عن جيل عاش القصف، الخوف، النزوح، وربما فقد أحد أفراد أسرته”، تقول صفاء.
هل تتحمل العائلة المسؤولية؟
بعض الأهالي، بدافع الخوف، أو بدافع العادات، أصبحوا يدعمون خيار الانسحاب من التعليم. في حي الأرمن، تقول أم لمى، وهي والدة لأربع فتيات: ” الخوف والقلق الدائم لاسيما مع انتشار بعض قصص الخطف، فضلت أن أجعل بناتي يتعلمن من البيت، أو يبحثن عن عمل داخل المنزل. ما عاد فينا نغامر”.
لكن هذا الخيار، بحسب الاخصائية صفاء، قد يكون أكثر ضررًا على المدى البعيد، لأنه يعيد إنتاج الجهل، ويكرّس الانعزال، ويغلق الباب أمام تمكين المرأة.
الجامعة … مكان آمن وغياب ملحوظ للطالبات
حتى في جامعة البعث، حيث عادت الكليات للعمل بشكل طبيعي، فإن نسبة غياب الطالبات من احياء ومناطق محددة لا تزال مرتفعة نسبياً.
تقول “فرح ابراهيم ” 20 عام طالبة في كلية التربية من قرية خربة حمام غرب حمص: ” أحيانًا بعض المدرسين يلمحون إلى انقطاع الطالبات بسخرية أو استعلاء، من الصعب علينا كطلبة الريف من القدوم والعودة بشكل يومي رغم الجهود الأمنية، لأن الخوف من اللاعودة بات أكثر احتمالية من ذي قبل، وخيار إقامتي في السكن الجامعي غير مقبول عائلياً “.
ما الحل؟
وبحسب شهادة ضيوف المقال الحلول لا تقتصر على جهود الأمن العام بل ثمة حاجة لحملات إعلامية واسعة، وندوات مجتمعية، وتعاون بين الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، لإعادة بناء الثقة، ونزع القلق وتشجيع العائلات على إعادة بناتهن إلى الدراسة.
ما يجري في حمص هو انعكاس لحرب لم تنته في النفوس رغم انتهاء القتال في الشوارع.
فتيات كثيرات لا زلن أسيرات الخوف، في مدينة تنشد التعافي. وربما يكون التعليم هو الخطوة الأولى نحو شفاء الذاكرة، لا مجرد بوابة للشهادات والوظائف.


