خاص – نبض سوريا
في ظل أوضاع اقتصادية خانقة، شهدت أسعار مادة المازوت ارتفاعاً غير مسبوق، حيث تخطى سعر البرميل حاجز الـ85 دولاراً أمريكياً، ما يعادل قرابة 1.2 مليون ليرة سورية، بعدما كان يُباع قبل أيام بنحو 47 دولاراً فقط (620 ألف ليرة سورية). هذه القفزة المفاجئة في الأسعار جاءت عقب قرار مثير للجدل أصدرته الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (قسد)، لتُشعل بذلك موجة غضب واستياء بين الأهالي الذين يعانون أساسًا من ضغوط معيشية متزايدة.
شلل في القطاعات الصناعية والزراعية
مرعي الخلف، صاحب ورشة حدادة في حي الناصرة بمدينة الحسكة، يصف القرار بأنه “ضربة في صميم لقمة العيش”.
يقول: “نشتغل على المولدات لأن الكهرباء ما تجي إلا ساعات قليلة، وكل شغلنا من اللحام للقص يعتمد على المازوت. لما كان البرميل بـ600 ألف، كنا بصعوبة نقدر نغطي التكاليف، أما هلق بسعر فوق المليون، نحن حرفياً رح نوقف عن الشغل. الزبون ما بيتحمّل نرفع الأسعار عليه، ونحن ما نقدر نتحمل فرق السعر من جيبتنا.”
يتابع مرعي: “المشكلة مو بس بالحدادة، كل الورش والمخابز وحتى وسائل النقل رح تتأثر، وهذا الرفع رح ينعكس على كل شي.. من سعر ربطة الخبز لأجرة التاكسي.”
حسين الخليل، مزارع من قرية “تل حميس” بريف الحسكة، يصف قرار رفع أسعار المازوت بأنه “حكم بإعدام زراعة البعل والريّ معاً”.
يقول في حديثه لـ”نبض سوريا”: “المازوت هو عصب الزراعة بالنسبة إلنا، وكل شي مرتبط بتشغيل المحرك. مع هالارتفاع المفاجئ، تكلفة تشغيل محرك الديزل لري الأرض صارت عبء ما نقدر نتحمله.”
وأضاف: “نحن ما عندنا خيار ثاني، لا طاقة شمسية ولا دعم، وإذا استمر الوضع هيك، كثير من المزروعات رح تضيع، خاصة عند المزارعين الصغار اللي مثلنا. الري صار رفاهية، مو وسيلة إنتاج.”
عليا الأحمد، ربة منزل من بلدة “تل تمر” شمال غرب الحسكة، ترى في ارتفاع أسعار المازوت تهديداً مباشراً لحياة العائلات البسيطة.
تقول لـ”نبض سوريا”: “صرنا نحسب كل شي قبل ما نطبخ أو نغسل، لأن المولدة ما بتشتغل إلا بالمازوت، والكهربا مقطوعة. ليتر المازوت صار أغلى من الأكل نفسه، وكل يوم بنخاف ينقطع أو يرتفع أكثر.”
وتضيف: “حتى الخبز ما عاد متوفر بسهولة، لأن الأفران كمان بتشتغل على المازوت، والنقل صار مكلف. نحن أهل الريف كنا نعتمد على الزراعة والمازوت بكل تفاصيل حياتنا، واليوم كلشي عم ينهار قدام عيوننا.”
“الحسكة تُنتج النفط وسكانها بلا مازوت”

المحامي جهاد السلامة، المختص في القانون الإداري وحقوق المواطنين في محافظة الحسكة، يؤكد أن ما يحصل في ملف المحروقات يشكل خرقًا واضحًا لحق المواطنين في الوصول العادل إلى الموارد الأساسية، وفي مقدمتها الطاقة.
ويقول لـ”نبض سوريا”: “يجب على السلطات المحلية توفير المحروقات للمواطنين بأسعار عادلة وكميات تضمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة والعمل. قرار رفع الأسعار بهذا الشكل المفاجئ يفتقر للشفافية، ويتعارض مع حق السكان في العيش بكرامة.”
ويضيف: “العائلة الواحدة في الحسكة تحتاج وسطياً بين 100 إلى 150 لترًا شهريًا لتغطية احتياجاتها من المازوت، في حين يستهلك أصحاب الورش والمخابز والمزارعون ما بين 300 إلى 600 لتر شهرياً، وربما أكثر حسب طبيعة العمل.”
ويختم بالتأكيد على ضرورة مراجعة القرار: “الإدارة الذاتية مطالبة بالتراجع عن هذا القرار أو على الأقل إعادة النظر فيه بما يضمن حماية الفئات الهشة، وتطبيق سياسة عادلة في توزيع الثروات، خصوصًا في منطقة تُنتج النفط من أرضها ولا يجد أبناؤها المازوت.”
ورغم حالة الغضب الشعبي الواسعة، حاولت بعض الجهات المحلية، من فعاليات مدنية وشخصيات اجتماعية، التواصل مع مسؤولي الإدارة الذاتية وملف المحروقات في محاولة لفهم دوافع القرار المفاجئ. لكن الرد، بحسب مصادر مطّلعة، جاء قاسيًا وصادمًا، إذ أرجعت الإدارة ارتفاع أسعار المازوت إلى عجز كبير في الميزانية العامة، مشيرة إلى أن الوضع المالي الصعب أجبرها على اتخاذ هذه الخطوة.
هذا التبرير لم يخفف من حدة التوتر، بل زاد من احتقان الشارع المحلي، الذي رأى في القرار تحميلًا مباشرًا للمواطنين أعباء أزمة مالية لا يد لهم فيها.
“إذا كان هناك عجز، فلا يجوز تعويضه من جيوب الناس الفقراء”، هكذا علّق أحد النشطاء المحليين، مضيفًا أن القرارات الاقتصادية في المناطق المنتجة للنفط يجب أن تراعي الواقع المعيشي القاسي، لا أن تضاعف من معاناته.
وبينما تشير تقديرات محلية إلى أن المحافظة تنتج يوميًا ما بين 80 إلى 100 ألف برميل نفط، يجد سكانها أنفسهم محاصرين بأزمات وقود متكررة وأسعار تتصاعد بلا هوادة.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات الإدارة المحلية وآليات توزيع الموارد، في وقت يتطلع فيه الأهالي إلى قرارات أكثر عدالة تضع احتياجاتهم ومعاناتهم في صدارة الاهتمام، لا أن تُحمّلهم أثمان العجز والسياسات الاقتصادية المضطربة.


