نذير جندلي الرفاعي – نبض سوريا
منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، شهدت سوريا تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ترافقت مع تحديات أمنية أبرزها التوترات الطائفية التي اندلعت في بعض المحافظات، لا سيما في اللاذقية وطرطوس، عقب تحركات فلول النظام ومحاولاتهم زعزعة الاستقرار.
في مواجهة هذه التوترات، سارعت الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع عودة البلاد إلى دائرة العنف الأهلي كانت أهمها عقد اجتماعات تشاورية بين الحكومة ووجهاء من مختلف المحافظات، تم خلالها طرح مقترحات لتشكيل لجان أهلية للسلم الأهلي ومتابعة ملفات العدالة الانتقالية.
وفي خطوات لاحتواء التوتر وتعزيز المواطنة أكد الرئيس أحمد الشرع في خطاب له بتاريخ 5 مارس/آذار 2025 أن “سوريا الجديدة لن تكون حكرًا على طائفة أو حزب، بل وطن لكل أبنائه”، مشيرًا إلى أن الدولة ستتعامل بحزم مع أي دعوات للكراهية أو التقسيم. وشدد على أن الأجهزة الأمنية الجديدة خاضعة للمساءلة، ومكلفة بحماية جميع المواطنين دون تمييز.
كما أصدرت الحكومة سابقاً عفوًا عامًا محدودًا يشمل من لم تتلطخ أيديهم بالدماء من ضباط النظام السابق، في مسعى لتعزيز المصالحة وضمان الانتقال السلمي للسلطة.
مطالبات متصاعدة بتحقيق العدالة الانتقالية
إلى جانب الجهود الرسمية، تتعالى في الشارع السوري دعوات متزايدة لتحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب والانتهاكات.
ففي تقرير صادر عن “رابطة المحامين السوريين الأحرار” في فبراير 2025، طالبت المنظمة بإنشاء هيئة مستقلة لتوثيق الجرائم والانتهاكات، وتقديم مرتكبيها إلى العدالة، دون تمييز بين انتماءاتهم السياسية أو الطائفية.
كما أكد تقرير مشترك صدر عن منظمتي سوريون من أجل الحقيقة والعدالة والمركز السوري للعدالة والمساءلة، أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون أولوية في المرحلة الجديدة لضمان المصالحة الحقيقية، خاصة في المناطق التي شهدت صراعات طائفية أو انتقامية.
وفي السياق ذاته، أطلق ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي حملة بعنوان “#العدالة_أولًا”، تدعو لمحاسبة المسؤولين عن الاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، وجرائم التعذيب، وتشدد على ضرورة تضمين العدالة الانتقالية في أي حوار وطني قادم.
اتفاقات لتعزيز الوحدة الوطنية
وكان من أبرز الخطوات الحكومية في هذا السياق توقيع اتفاق رسمي مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لدمج مؤسساتها المدنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة السورية. نص الاتفاق على احترام التعدد القومي والديني، وضمان الحقوق الثقافية للكرد والأقليات الأخرى، في إطار دستور جديد يُصاغ خلال المرحلة الانتقالية.
نظرة إلى المستقبل
رغم التحولات الإيجابية، لا تزال تحديات بناء الثقة قائمة، وتواجه الحكومة الانتقالية مهمة حساسة في إدارة التنوع السوري دون الوقوع في فخ الإقصاء أو الانتقام. ويتوقف نجاح هذه المرحلة على إرساء نظام قانوني عادل، وإطلاق برامج حقيقية للمصالحة، وضمان مشاركة جميع السوريين في صياغة مستقبل بلدهم.


