نذير جندلي الرفاعي – نبض سوريا
زيارة هي الأولى من نوعها بعد سقوط النظام
توجّه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اليوم الأربعاء 7 أيار / مايو 2025 للقيام بأول زيارة رسمية له إلى أوروبا، حيث سيلتقي بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس. وتأتي هذه الزيارة في توقيت حسّاس يعكس تحولات كبرى في المشهدين السوري والدولي، وتُعد بمثابة اختبار للعلاقات بين سوريا الجديدة والمجتمع الأوروبي، خاصة أن فرنسا كانت من أبرز الدول المناهضة لنظام بشار الأسد.
أهداف الزيارة والملفات المطروحة
اللقاء المرتقب بين الرئيسين يهدف إلى بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، ومناقشة آفاق التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني، إلى جانب ملفات أساسية مثل مستقبل السيادة السورية ووحدة أراضيها، وآليات دعم جهود إعادة الإعمار في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة الحرب، والتي تقدرها التقارير الدولية بأكثر من 250 مليار دولار.
تصريحات فرنسية: لا دعم بدون شروط
وفي سياق التحضيرات للزيارة، أدلى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بتصريحات لافتة خلال مقابلة مع قناة TF1، أكد فيها أن باريس لن تمنح الحكومة السورية الجديدة دعماً غير مشروط، حيث قال: “لن نقدم شيكًا على بياض، وسنحكم على سوريا بناءً على أفعالها”. وأضاف بارو أن بلاده تسعى لضمان التزام دمشق بمكافحة الإفلات من العقاب، والحد من العنف الطائفي، ومواجهة خطر تنظيم الدولة الإسلامية، محذرًا من أن انهيار سوريا في هذه المرحلة سيعني “فرش السجادة الحمراء أمام تنظيم الدولة”.
عقد من القطيعة… وبداية انفتاح حذر
الزيارة تحمل أبعادًا رمزية أيضًا، إذ تشكل بداية لانفتاح دبلوماسي بين باريس ودمشق بعد أكثر من عقد من القطيعة. فمنذ عام 2012، قطعت فرنسا علاقاتها الدبلوماسية مع نظام الأسد، ورفضت أي تطبيع معه، كما دعمت قوى المعارضة السورية، وشاركت في التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وقدمت مساعدات إنسانية لمناطق خارجة عن سيطرة النظام. ومع سقوط النظام في ديسمبر 2024، سارعت فرنسا إلى الترحيب بالتغيير، داعية إلى مرحلة انتقالية شاملة تحفظ وحدة سوريا وتفتح الباب أمام نظام ديمقراطي جديد.
تغيّر الموقف الفرنسي: من القطيعة إلى المساهمة
وبالفعل، بادرت باريس إلى تعيين ممثل دبلوماسي في دمشق، وأبدت استعدادها للمساهمة في إعادة إعمار البلاد، بشرط التزام الحكومة الجديدة بالمبادئ الأساسية للديمقراطية، وحماية الحريات العامة، وضمان استقلال القضاء وحرية الإعلام.
انقسام داخلي فرنسي حول الزيارة
الزيارة أثارت تباينًا في المواقف داخل الساحة السياسية الفرنسية، حيث عبّر التيار اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبان، عن رفضه لاستقبال الرئيس السوري، معتبرًا أن الخطوة تمثل “مجازفة دبلوماسية” في التعامل مع سلطة لا تزال قيد التشكيل. في المقابل، أبدت أحزاب اليسار والوسط ترحيبها بالزيارة، مشيرة إلى أنها تمثل فرصة حقيقية لدعم الاستقرار في سوريا ومساندة جهود التحول الديمقراطي فيها. وعلى الجانب السوري، اعتبرت العديد من القوى السياسية والمدنية أن الزيارة تشكل اختراقًا دبلوماسيًا مهمًا وفرصة لاستعادة دور سوريا في المجتمع الدولي.
سياق إقليمي ودولي متغير
وتأتي زيارة الشرع إلى باريس ضمن سلسلة تحركات خارجية تهدف إلى إعادة تموضع سوريا في النظام الدولي، وتعزيز الشراكات مع الدول الأوروبية والعربية، خاصة بعد التقارب العربي الأخير، والتغيرات التي طرأت على أدوار اللاعبين الإقليميين مثل تركيا وروسيا.
خاتمة: اختبار جدي للدولة السورية الجديدة
وبينما تسعى دمشق الجديدة إلى بناء علاقات متوازنة قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة، تؤكد باريس أن دعمها مشروط بالإصلاح الجاد وبمؤشرات ملموسة على التزام الحكومة السورية الانتقالية بمسار سياسي واضح. في ختام هذه المرحلة الدبلوماسية الجديدة، تبدو زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى باريس محطة مفصلية في تاريخ العلاقات السورية-الفرنسية، وقد تفتح الباب أمام شراكة استراتيجية قادرة على دعم الاستقرار في سوريا، وإنعاش اقتصادها، وتوفير الأمل لشعب أنهكته الحرب، شرط أن تقرن الأقوال بالأفعال، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الفرنسي بوضوح وصرامة.


