هنادي الخطيب – نبض سوريا
بعد مرور ثلاثة أشهر على سقوط نظام الأسد في سوريا، برزت حالة من الفراغ الإعلامي الملحوظ، حيث غاب صوت الإعلام الرسمي السوري بشكل شبه تام، في مرحلة حرجة تشهدها البلاد بعد تشكيل حكومة جديدة، وعوضا عن تنظيم الإعلام الرسمي وتفعيله وإعلان القرارات الجديدة عبره، دخل هو أيضاً في حالة الفوضى التي تعم البلاد، مما أدى إلى انتشار الإشاعات والأخبار المزيفة أو الخاطئة عبر منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المصدر الأساسي للمعلومات بالنسبة للكثيرين.
في هذا السياق، لجأت الإدارة السورية الجديدة إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة تطبيق تليغرام، لنشر خطابها الرسمي، وأثار ذلك تساؤلات عديدة حول سبب استمرارية الاعتماد على “الحسابات الافتراضية”، والزمن الذي سيستغرقه ذلك، بالإضافة إلى مصير المؤسسات الإعلامية الرسمية التي شكلت جزءاً من الذاكرة الجماعية للسوريين على مدار أكثر من نصف قرن، هذه المؤسسات، التي كانت تُعتبر إحدى أهم أدوات النظام السابق في توجيه الرأي العام، باتت اليوم غائبة في وقت تشتد الحاجة إليها.
بين الفوضى والغياب
يحق لنا أن تتساءل هل فعلا تدرك الحكومة الجديدة، التي أتت بعد عقود من القمع والفساد، أهمية الإعلام كأداة رئيسية في بناء الدولة؟ ما نراه هو أن الارتباك لا يزال يهيمن على المشهد الإعلامي، حيث يستمر غياب الإعلام الرسمي الفاعل، وتتفشى الإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي محاولة لملء هذا الفراغ، لجأت الحكومة إلى تقريب المؤثرين والنشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك أدى في كثير من الحالات إلى نقل معلومات غير دقيقة أو متحيزة، مما أضعف دور الإعلام كسلطة رقابية وزاد من ضعف الثقة بين الحكومة والمواطنين.
وحول سبب غياب الإعلام الرسمي، أوضح علي الرفاعي، المتحدث باسم وزارة الإعلام، أن الظروف القاهرة هي التي أدت إلى ذلك، مشيراً إلى أن الوزارة بدأت عملها في بيئة مدمرة تماماً، حيث تعاني المؤسسات الإعلامية من ترهل إداري حاد، وغياب البنية التحتية التقنية والموارد اللازمة. وأكد الرفاعي أن التلفزيون الحكومي سيكون جاهزاً قريباً لتقديم خدماته المباشرة، مع التركيز على إصلاح المؤسسات الإعلامية وتحديثها لتلبية تطلعات الشعب السوري.
وفيما يبدو كلام الرفاعي منطقياً بالنظر إلى الفساد الذي كان سائداً خلال حكم النظام السابق، إلا أنه يبدو أيضاً، ترقيعياً، إذ إن الإعلام لطالما كان العدو والأداة، للحكام على اختلاف مشاربهم، وفي ذات الوقت الذي تحارب السلطة الإعلام الذي يؤدي وظيفته بكشف الأخطاء والفساد، تحاول تغيير توجهه واستقطابه وتطويعه ليتحول من سلطة رابعة إلى وسيلتها لقولبة الرأي العام وتوجيهه حيث تريد، ولنشر روايتها للأحداث، ومن جهة ثانية، لا يتوقع السوريون الآن استخدام أحدث وأغلى التقنيات في ما يمكن تسميته “الإعلام الوطني”، فالتجهيزات المتواجدة منذ أيام النظام السابق يمكن أن تؤدي المهمة تقنياً بشكل مقبول؛ لأن الناس الآن تبحث عن الخبر الموثوق، والتوضيح الرسمي القادم من الإدارة الحالية، ولا تبحث عن شاشات وتقنيات كالتي تقدمها الجزيرة أو العربية.
وفيما يتفق بعض الصحفيين مع وجهة نظر الحكومة، مثل ميلاد فضل، عضو لجنة اتحاد الصحفيين الذي تشكل حديثاً، الذي يعزو تأخر تفعيل التلفزيون الرسمي إلى التخلف التقني ورغبة الحكومة في انطلاقه بأدوات حديثة، يرى آخرون أن تغييب الإعلام الرسمي هو قرار مقصود وليس اضطراري، إذ يرى الصحفي ياسر العيسى، على سبيل المثال، قرار السلطات الجديدة التي ورثت نظام الأسد، بتغييب شبه تام للإعلام الرسمي، لم يؤثر فقط على الخبر السوري على المستوى الداخلي، وإنما أفسح المجال لمواقع السوشيال ميديا ووسائل إعلام عربية للاستحواذ وملء هذا الفراغ، ويتابع العيسى قوله بأن هذه المواقع والوسائل الاعلامية لم تكن على قدر كاف من الموضوعية، وإنما تحول الكثير منها إلى بروبغاندا لصالح السلطات الجديدة، أو ضدها.
السوشيال ميديا مسرح الاخبار والاشاعات

في ظل غياب إعلام رسمي فاعل ومهني، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي المصدر الرئيسي للمعلومات بالنسبة للكثير من السوريين، وبطبيعة الحال شكلت هذه المنصات بيئة خصبة لانتشار الإشاعات والأخبار الكاذبة، مما أدى في كثير من الحالات لتشويه الحقائق أو غيابها تماماً، وهذا خلق حالة من فوضى المعلومات، وبالتالي إضعاف ثقة المواطن بالمعلومات المتداولة، وزيادة حالة اللايقين في المجتمع.
وكان لافتاً لجوء الحكومة إلى تقريب مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد عليهم في نقل الأخبار، في محاولة، ربما، لملء الفراغ الإعلامي، وغاب عن الحكومة أن هؤلاء المؤثرين غالبًا ما يفتقرون إلى المهنية الصحفية، ما أدى في كثير من الحالات إلى نقل معلومات غير دقيقة أو متحيزة، وبالطبع أضعف هذا النهج دور الإعلام كسلطة رقابية، وظهرت خطورة هذا الوضع مؤخراً في حادثة القبض على متورطين بارتكاب مجزرة في حي التضامن، والتي رافقها ناشط إعلامي معروف بقربه من الحكومة، الأمر الذي أثار الكثير من البلبلة والانتقادات، بعد ظهور الناشط وهو يحمل عظمة لإحدى الضحايا ومسدسًا على جنبه، الأمر الذي أثار تساؤلات حول المهنية والحيادية في نقل الأخبار، وسبب غياب الإعلام عن الحادثة وحضور ناشط فقط بدا وكأنه جزء من العملية الأمنية، وليس صحفيا يوثق حدثاً أمنياً غير عادي.
بل إن الملفت للنظر أيضاً هو صعود تيار إعلامي يريد الاستمرار في حملات قصمت ظهر الثورة، وتيارات أصرت على استخدام التفسير الطائفي والقومي لما جرى في سورية، مساهمة في تقديم أدوات سهلة، من تحريض طائفي وقومي، لصناع العنف والحرب.
مستقبل غائم
رغم الجهود المبذولة لتصحيح الأوضاع، يبدو أن الطريق أمام إصلاح الإعلام السوري لا يزال طويلاً، ويرى الصحفي ياسر العيسى أنه حتى الآن لا تظهر بوادر لتحسن الاعلام السوري الرسمي، لأن ذلك يحتاج إرادة ونية صادقة من أصحاب القرار، الذين لديهم ترتيبات ورؤية للواقع السوري، وقطاع الإعلام ليس أولوية فيها، مما يجعلنا نرى بأن هذا القطاع سيكون آخر القطاعات التي ستنال الإصلاح في هذا البلد”، ويعترف علي الرفاعي المتحدث باسم وزارة الاعلام أن انتشار الشائعات والأخبار المضللة يتسارع على وسائل التواصل الاجتماعي، ويؤكد أن مكافحة ذلك جاء على شكل تصحيح والتصدي للمعلومات غير الصحيحة من خلال القنوات الرسمية، وأضاف: “الخبر الكاذب غالبًا ما يسبق الحقيقة في الانتشار، ولهذا، نعمل حاليًا على تطوير برامج متخصصة لمكافحة الأخبار الكاذبة، ودعم الأخبار الموثوقة بآليات تحقق سريعة تضمن وصول المعلومة الصحيحة للجمهور بأبسط الطرق”.
الإعلام لكشف الحقائق
يقول مارك توين: “يستطيع الكذب أن يدور حول الأرض في انتظار أن تلبس الحقيقة حذاءها”، وبعد أكثر من خمسين عاماً من حكم الأسد، الذي حوّل الإعلام إلى أداة للدعاية الحكومية، يحتاج السوريون اليوم إلى إعلام حر ومهني يعكس تطلعاتهم ويكشف الحقائق. وفي الوقت الذي تدور فيه الحقيقة بلا حذاء، كما قال توين، فإن الكذب ينتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فإن إعادة بناء الإعلام السوري تتطلب إرادة سياسية حقيقية وموارد كافية لضمان أن يكون الإعلام صوتاً للحقيقة والحرية، وليس أداة للتوجيه والتحكم.
فهل تتعمد هذه الإدارة في دمشق ترك الناس ضحية للشائعات والأخبار غير الموثوقة، وبالتالي زيادة تشتيتهم، وسهولة وقوعهم ما بين معسكرات الصراع الإعلامي المؤدلج والطائفي والتمييزي، بما يزيد من الشروخ الشاقولية فيما بينهم؟
وندرك ان التحدي الاقتصادي هو التحدي الأكبر أمام أي حكومة تستلم السلطة في سورية بعد سقوط نظام الاسد، لكن يمكننا الادعاء أيضا، أن التحدي الكبير، الذي لا يقل صعوبة وأهمية عن الاقتصادي، هو خطورة جروح وشروخ المجتمع السوري على المستوى الوطني والاجتماعي والفردي التي خلفتها 14 سنة من المعاناة الأبشع، و54 سنة من حكم الديكتاتورية الاسدية؛ وأهم أدوات معالجة هذا التحدي هو الإعلام والتعليم، وكلاهما بحاجة لأكثر من مجرد عناوين ومؤسسات والعمل كما هي العادة.

