علي علولو – نبض سوريا
خيبة البداية: الإعلام لا يشبه الثورة
بعد سقوط نظام الأسد، ظن كثير من السوريين أن الإعلام سيكون أخيرًا ساحة حرة تعبّر عنهم، وعن تضحيات عقد من الثورة. توقّع الإعلاميون الذين كانوا في الصفوف الأمامية للحراك الشعبي أن يكونوا في صدارة المشهد الإعلامي الجديد، لا باعتبارهم “ضحايا” يجب تعويضهم، بل لأنهم يحملون سردية الثورة التي لا يمكن لأي مشهد جديد أن يُكتب بدونها. لكن ما جرى لاحقًا، في المؤسسات الإعلامية الحكومية وغير الحكومية على حد سواء، حمل خيبة أمل كبيرة، وطرح علامات استفهام كبرى حول شكل التحول الذي حصل… أو بالأحرى، لم يحصل.
إعلام حكومي جديد… وشبكات قديمة
مباشرة بعد سقوط النظام، بدأت بعض المؤسسات الإعلامية الحكومية الجديدة تُعاد هيكلتها، أو تُنشأ من الصفر، تحت شعار “بناء إعلام وطني مستقل”. غير أن هذا المشروع اصطدم منذ بدايته بشبكة شللية ضيقة تحكمت في التوظيفات والمناصب، بعيدًا عن أي معايير مهنية واضحة. كفاءة الإعلامي، وموقفه من الثورة، وتاريخه في نقل صوت الناس، لم تكن جزءًا من الحسابات. بل إن العلاقات الشخصية، والانتماءات الضيقة، و”المونة” في الكواليس، هي التي رسمت خريطة الإعلام الرسمي الجديد. وفي مفارقة مؤلمة، وجد كثير من الإعلاميين الذين عاشوا الثورة في شمال سوريا أنفسهم مهمشين أو مستبعدين، في حين صعدت أسماء لإعلاميين جاؤوا من مناطق كانت تحت سيطرة النظام طوال سنوات الثورة، دون أن يُعرف لهم أي موقف داعم للحراك الشعبي. بعضهم لم يكتب أو ينشر كلمة ضد القمع، وبعضهم كان يعمل ضمن منظومة إعلام النظام، أو في مؤسسات مهادِنة له، لكنه اليوم يُقدَّم كصوت “المرحلة الجديدة”، بل ويُكلّف أحيانًا بصياغة السردية البديلة!
خيبة مضاعفة من مؤسسات الثورة
الأكثر إيلامًا أن هذا المسار لم يقتصر على الإعلام الرسمي، بل انسحب على عدد من المؤسسات الإعلامية غير الحكومية، التي كانت في زمن الثورة جزءًا من الصوت الحر. هذه المؤسسات، التي تأسست بدعم من قوى ثورية ومدنية، بدأت منذ سقوط النظام تُعيد تموضعها على نحو براغماتي، في محاولة لاستيعاب “كل الأطياف”، لكنها بذلك فتحت الأبواب لإعلاميين لم يكونوا يومًا جزءًا من النضال، بل كانوا إما صامتين أو محايدين في لحظة لا تحتمل الحياد. من جهة أخرى، استُبعد العديد من الإعلاميين المعروفين بمواقفهم الواضحة ضد النظام، وبنشاطهم في مناطق المعارضة سابقًا، وكأنهم باتوا عبئًا على المرحلة الجديدة التي تسعى إلى “مظهر التوازن” على حساب الحقيقة.
هل أصبحت الثورة تهمة؟
يعيش الإعلامي السوري الذي كان جزءًا من الثورة اليوم مفارقة قاسية: فقد النظام، وواجه الموت والاعتقال والتشريد، لكنه أيضًا لا يجد مكانًا في الإعلام الجديد الذي يُفترض أن يكون امتدادًا لمعركته. يبدو وكأنّ الثورة، بدل أن تكون وسامًا، أصبحت في بعض المؤسسات الإعلامية سيرة ذاتية لا يُحبذ الحديث عنها، أو سببًا غير معلن للإقصاء. لا يمكن الحديث عن إعلام حر في سوريا ما بعد الأسد دون مساءلة حقيقية حول كيف يُبنى هذا الإعلام، ومن يُختار لقيادته، ولماذا. ما يحصل اليوم ليس فقط ظلمًا لأفراد، بل تشويهًا لسردية تاريخية قد لا تتكرر. من دون عدالة إعلامية، تُكرّم أصحاب المواقف، وتُفتح الفرص أمام من يستحقونها، لن نستطيع أن نكتب روايتنا بأيدينا.
الوعي الثوري لا يُنسى
الإعلام السوري الجديد بحاجة إلى إعادة نظر جذرية. لا يمكن القبول بإعادة تدوير الوجوه، ولا بتهميش من دافعوا عن الكلمة الحرة. الثورة لم تكن مرحلة عابرة، بل وعي جمعي لا يُستبدل، ولا يُنسى. ومن لا يزال يحمل هذا الوعي – من الإعلاميين الشرفاء – يجب أن يكونوا في قلب المشهد، لا في هوامشه.


