نبض سوريا – الحسكة
تتفاقم معاناة طلاب مرحلتي التعليم الأساسي والثانوية العامة في محافظة الحسكة مع استمرار تعثّر التفاهم بين حكومة دمشق والإدارة الذاتية حول ملف التربية والتعليم. فقد أدّى غياب المراكز الإمتحانية الرسمية في المحافظة إلى اضطرار آلاف الطلبة للانتقال إلى محافظات أخرى لتقديم امتحاناتهم، ما يفرض تحديات معيشية ونفسية كبيرة، أبرزها تأمين السكن والتأقلم في بيئات جديدة. كل ذلك يجري في ظل ظروف اقتصادية خانقة، تجعل من متابعة التعليم أشبه بمعركة يومية يخوضها الطلاب وأسرهم بإمكانات محدودة وأمل معلّق بمصير مجهول.
سنوات من الدراسة في مواجهة امتحان غائب
محمد عكلة: “أحلم بكلية الطب… لكن الامتحان مهدّد”
محمد عكلة، طالب في الصف الثالث الثانوي (البكالوريا) من محافظة الحسكة، قضى عاماً كاملاً بين مقاعد المدرسة وساعات الدراسة الإضافية في أحد المعاهد الخاصة، ساعيًا لتحقيق حلمه وحلم عائلته بدخول كلية الطب.
يقول محمد: “غياب المركز الامتحاني في الحسكة أمر غير طبيعي، خاصة بعد كل ما مررنا به من سنوات الحرب وسقوط نظام الأسد. الأمر يشتّت تفكيري ويجعلني أشعر أن مستقبلي مهدّد بالضياع.”
ويضيف: “رغم كل الصعوبات ما زلت أتمسّك بالأمل، وأنتظر قراراً لإعادة افتتاح المراكز الامتحانية في المحافظة فالسفر إلى محافظة أخرى طيلة فترة الامتحانات ليس بالأمر السهل، فتكاليف الطريق وحدها قد تعجز عائلتي عن تأمينها.”
أحمد الخليل، طالب شهادة ثانوية من أبناء مدينة الحسكة، لا يخفي قلقه المتزايد مع اقتراب موعد الامتحانات، بعد أن أصبح من المؤكد غياب مركز امتحاني رسمي في المحافظة.
يقول أحمد: “أقرب محافظة يمكنني التوجّه إليها لتقديم الامتحان هي دير الزور، وتبعد عن الحسكة أكثر من 180 كيلومترًا، وهذه مسافة طويلة ومرهقة يوميًا، خصوصًا في فترة دقيقة مثل الامتحانات.”
لكن المسافة ليست العائق الوحيد كما يوضح، فهناك تحدٍّ آخر لا يقل صعوبة: “استئجار منزل أو غرفة خلال فترة الامتحانات يكلف ما لا يقل عن مليون ونصف ليرة سورية للشهر الواحد، وهذا مبلغ كبير جدًا وظروف عائلتي لا تسمح بذلك أبداً.”
ويتابع: “هذا القرار أثّر بشكل مباشر على دراستي. أصبحت مشتّتًا بين التحضير للامتحان والتفكير بكيفية تدبير مصاريف الإقامة والسفر. بدل التركيز على دروسي، أعيش قلقًا يوميًا من أن لا أتمكن من التقديم أساسًا.”
نور الحسين: “أنا صغيرة على الغربة… وأيام الامتحان تحتاج الأمان لا القلق”
نور الحسين، طالبة شهادة تعليم أساسي من مدينة الحسكة، تترقب موعد الامتحانات بقلق لا يشبه ما يفترض أن يشعر به تلميذة في عمرها. فبدلاً من أن تنشغل بمراجعة دروسها، تجد نفسها وأسرتها في مواجهة قرار فرض واقعًا صعبًا: السفر إلى محافظة أخرى لتقديم الامتحان.
تقول نور: “أهلي خائفون من إرسالي وحدي إلى محافظة ثانية، وأنا أيضاً لا أتصور أن أكون بعيدة عنهم في فترة حساسة مثل أيام الامتحانات. أنا ما زلت صغيرة، ولا أستطيع التأقلم بسهولة مع بيئة أو ناس جدد.”
وتضيف: “الامتحانات تحتاج هدوء وراحة نفسية حتى أستطيع التركيز، لكن الظروف الحالية كلها توتّر وخوف. هذا القرار لم يغيّر فقط خطتنا، بل أثّر على نفسيتي ودراستي. أشعر أنني في سباق مع القلق أكثر من السباق مع الوقت.”
محمود العلي، والد طالب في الشهادة الثانوية، يختصر حال الكثير من أهالي محافظة الحسكة..
يقول محمود: “سهرنا الليالي، ضحّينا من وقتنا وقوتنا، ودعمنا ابننا بكل ما نملك حتى يحقق حلمه بالدراسة. والآن، بسبب قرار حرمان الحسكة من مركز امتحاني، نشعر أن هذا الحلم يتبخر أمام أعيننا.”
ويتابع: “الجو في البيت كله توتر وقلق. نحن عائلة متوسطة الدخل، وتأمين مصاريف الطريق والسكن والسفر لمحافظة أخرى عبء كبير علينا. لا أملك إلا خيارين: إمّا أن أستدين التكاليف، أو أبيع بعض أغراض المنزل، لأنني لا أتحمّل أن يُحرم ابني من مستقبله لمجرد أن محافظتنا خارج حسابات التعليم.”
غياب المراكز الامتحانية في الحسكة يهدد مستقبل 25 ألف طالب ويُفاقم الأزمة التربوية”
الأستاذ ياسر الحسين – تربوي ومدير سابق لأحد المدارس الثانوية في الحسكة: “قرار غياب المركز الامتحاني يخلق أزمة تعليمية واجتماعية حقيقية”
يرى الأستاذ ياسر الحسين، وهو تربوي ذو خبرة طويلة ومدير سابق لإحدى المدارس الثانوية في الحسكة، أن قرارعدم تخصيص مركز امتحاني رسمي في المحافظة هذا العام لا يمثّل مجرد عائق إداري، بل يُحدث تأثيرًا سلبيًا واسعًا على الواقع التعليمي والنفسي والاجتماعي للطلاب.
يقول الأستاذ ياسر: “غياب المراكز الامتحانية في محافظة الحسكة لا يُربك فقط العملية التنظيمية، بل يفتح الباب أمام موجة من الإحباط والتسرب الدراسي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة. القرار يحمل آثارًا نفسية قاسية على الطلاب، الذين يُفترض أن يركّزوا على المذاكرة والتحضير، لا أن ينشغلوا بتأمين طريق وسكن في محافظة أخرى.”
ويتابع: “هناك ما يزيد عن 25 ألف طالب وطالبة من أبناء الحسكة بين مرحلتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، وكلهم اليوم مهدّدون بعدم التقديم أو بتقديم الامتحانات في ظروف غير مناسبة.”
ويشير إلى بعض الحلول الممكنة: “كان من الممكن إيجاد صيغة توافقية بين وزارة التربية والإدارة الذاتية لتأمين مراكز امتحانية محايدة تُشرف عليها جهات تربوية معتمدة. كما يمكن فتح مركز مؤقت تحت رقابة مشتركة، أو على الأقل تأمين دعم للطلاب المنتقلين مثل سكن طلابي مجاني أو منح مادية مؤقتة لتخفيف الأعباء.”
واختتم بالقول: “المسألة ليست تقنية فقط، بل ترتبط بمستقبل جيل كامل. أي قرار في هذا الملف يجب أن يضع مصلحة الطالب أولًا، قبل أي اعتبارات أخرى.”
وفي ظلّ التجاذبات السياسية بين حكومة دمشق والإدارة الذاتية، يدفع طلاب محافظة الحسكة الثمن من مستقبلهم وحقهم في التعليم الآمن والمستقر.
ويبقى السؤال: هل يمكن أن يصبح التعليم أولوية حقيقية بعيدًا عن الحسابات السياسية؟”


