هنادي الخطيب
نحمل جنسية بلد مطحون، نحملها في جيوبنا ونغلق عليها مع ذكريات من الصعب التأقلم مع وجودها، وصديقتي السورية العادية واحدة من آلاف السوريين الذين كان لديهم قدرة خارقة على البقاء حية في بلد قرر أن يكون مقبرة جماعية على مدى سنوات من حكم الأسد، ولكن ما تركه النظام الذي سقط في سوريا من مغيبين ومقهورين أكثر بكثير من أن يتم إحصاءهم والتعامل مع آلامهم. صديقتي العادية، فرحت عندما فرحت سوريا، وأخرجت جنسيتها من جيبها وشهرتها بوجه ذكرياتها، وتعاملت مع الفرح النادر والغالي الذي كان في وطنها أشبه بالكافيار، تعاملت معه بعد سقوط النظام، على أنه شيك مفتوح، ولطالما حاولت جهدها أن تنظم ذلك الفرح، أن تضع له إطار يحمل قدراً أقل من الأمل، ولكن صديقتي العادية طيبة القلب، لا تعرف كيف يرتدي الفرح طقما رسميا، كما لم تستطع يوما التحكم بحزنها ودموعها كلما تابعت اخبار سوريتها القاتمة .
صديقتي قلبها طيب إلى درجة تجعلك تتساءل: “هل هي من كوكب آخر”، وكيف استطاعت استبدال الحزن، العملة الوحيدة التي كانت متداولة في سوريا لسنوات، بالأمل بعد أن سقط الأسد.
صديقتي السورية العادية، والتي تشبه الآلاف من السوريين العاديين، تتفرج على سوريا عبر شاشة الكومبيوتر، وتبكي كلما تحدثت مع أصدقاءها الكنديين عن سوريا، وكيف تركها الأسد بلداً كئيباً، متعباً مرهقاً، وتستخدم وصفا مدهشا في دقته، تقول لهم “الأسد لم يقتل البشر فقط، وإنما تعامل مع بلدي على أنها عدو فانتقم من الشجر والحجر”.
في زاوية من هذا العالم المليء بالغبار والوجع، تقف صديقتي السورية العادية، كشجرة ما زالت ترفض السقوط، هي سورية عادية، ليست بطلة ولا شهيدة، مجرد امرأة عادية، لم تكن يومًا متفرجة على مأساة بلادها، بل كانت في الصفوف الأولى، منذ اليوم الأول للثورة، اختارت أن تكون في قلب الحدث، في دمشق، حيث كانت توزع الإغاثة وتسند المنهكين حتى باتت حياتها في خطر، ولم يكن أمامها سوى الرحيل من المكان فقط، لأنها بقيت تغذي روحها السورية عبر مساعدة سوريين آخرين، داخل وخارج سوريا، بما يشبه النذر، بلا كلل ولا ملل ولا حتى شكوى.
اليوم، بعد سقوط النظام، لمعت الفرحة في عينيها كما لم أرها من قبل، كنا معا كتلة من السعادة، نتنفس الحلم الذي عشنا سنوات نطارده، لكنها ليست فرحة خالصة، فصديقتي تعيش كل الحالات النفسية الممكنة؛ تبتسم حين تسمع خبرًا جيد، ثم سرعان ما يخيم عليها القلق عندما تطالع وسائل التواصل الاجتماعي وترى ممارسات متشددة للحكومة الجديدة، فترتجف روحها خشية أن يضيع الحلم مرة أخرى.
هي ليست وحدها في هذا الشعور، فهناك آلاف السوريون الطيبون، كثير منهم كانوا يحلمون بسوريا مدنية، علمانية، تحترم التعدد والتنوع، وها هم اليوم بين شد وجذب، بين إعطاء الفرصة للحكومة الجديدة، وبين الانكسار أمام واقع يبدو قاتما في بعض زواياه، يتابعون مؤتمر الحوار الوطني بحذر، يشاهدون التخبط في القرارات، والدعوات العشوائية، والتجاوزات الفردية، فيتملكهم التشاؤم، وكأنهم يخشون أن يكون المستقبل صورة معدلة عن الماضي لا أكثر.
صديقتي العادية ليست مجرد مواطنة عابرة، بل هي جزء من نسيج ذلك البلد، لم تتلق دعوة إلى مؤتمر الحوار الوطني، ولم يسألها أحد عن رأيها بإجراءات الحكومة، ولم تحظى بمقابلة مع الرئيس، ولم تخرج في مقابلات على الشاشات، ولم تنشئ منظمة ولا جمعية باسم المرأة، ولم تتاجر بآلام السوريين، ولكنها مواطنة سورية عادية، مثل الآلاف من السوريين، وثائرة على الاسد مثل الآلاف أيضا، واليوم، هي لا تحتاج إلى كلمات كبيرة لتقول إنها تحب سوريا.


