خاص – نبض سوريا
بين تصاعد التوترات الميدانية وتكثيف التحركات العسكرية، يبدو الشمال السوري مقبلاً على معركة جديدة قد تحمل تأثيرات استراتيجية في ميزان القوى.
أفاد مصدر مطّلع لموقع “نبض سوريا” بوصول تعزيزات عسكرية جديدة للجيش السوري إلى محاور استراتيجية قرب مناطق انتشار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال وشمال شرق البلاد. وتأتي هذه التحركات الميدانية في ظل تصاعد التوتر السياسي بين الطرفين خلال الأيام الأخيرة، ما يعكس مؤشرات محتملة على تغير في دينامية العلاقة بين دمشق و”قسد” في تلك الجغرافيا الحساسة.
تصعيد ميداني شمال سوريا… تحركات متقابلة توحي بعمل عسكري وشيك

تتسارع وتيرة التطورات الميدانية في شمال سوريا، وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب عمل عسكري محتمل قد يعيد خلط الأوراق في المنطقة. فقد أفاد مصدر خاص لـ”نبض سوريا” بوصول تعزيزات عسكرية تركية جديدة إلى منطقة “نبع السلام”، شملت مدفعيتي “T-155 فيرتينا” وسبع مركبات مدرعة من طراز “BMC”، توجهت نحو نقاط التماس مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
في موازاة ذلك، دفع الجيش السوري بتعزيزات إضافية نحو مواقع استراتيجية في شمال حلب ومحيط الرقة، في خطوات رآها مراقبون جزءاً من استعدادات ميدانية تتقاطع مع التحركات التركية. وحسب معلومات مراسلنا عن مصدر مطّلع قوله إن هناك مؤشرات لعمل عسكري محتمل بدعم تركي مباشر، في حال فشلت التفاهمات بين “قسد” والحكومة السورية، مشيرًا إلى احتمال تنفيذ الهجوم بغطاء جوي وبري مشترك.
وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد التوترات السياسية بين دمشق و”قسد”، في ظل تعثر المفاوضات حول إدارة “سد تشرين”، إضافة إلى خلافات عالقة بشأن الوضع الإداري والخدمي في حيي “الأشرفية” و”الشيخ مقصود” بحلب، ما يعزز احتمالات الانفجار الميداني في أي لحظة.
الخارطة السياسية تتقلّب والتهديدات تتصاعد:
تتخذ الخارطة السياسية في شمال سوريا طابعًا متقلبًا مع تزاحم القوى المؤثرة وتضارب المصالح بين الفاعلين المحليين والإقليميين. ففي الوقت الذي تتعثّر فيه محاولات التقارب بين “قسد” ودمشق، جاء تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حيث أكد أن “أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات فرض كيان انفصالي على حدودها الجنوبية”، مشيرًا إلى أن “التنسيق العسكري مع فصائل محلية جارٍ على أعلى المستويات لضمان أمن تركيا القومي”.
وتأتي هذه التصريحات في سياق دعم واضح لخيارات الحسم العسكري، خاصة بعد الفشل المتكرر في التوصل إلى تفاهم دائم بين دمشق و”قسد”. وتؤكد مصادر سياسية أن احتمال تنفيذ عملية تركية واسعة النطاق بات أقرب من أي وقت مضى، خصوصًا في حال تواصل التصعيد الكلامي وغياب مظلة اتفاق موحدة على الأرض.
دمشق ترفض الطروحات الفيدرالية: تصاعد في التوتر السياسي مع “قسد”
في مؤشر جديد على اتساع هوّة الخلاف بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أصدرت رئاسة الجمهورية السورية بياناً حادّ اللهجة ردًا على البيان الختامي لمؤتمر “الوحدة الكردية” الذي انعقد مؤخراً في مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، مؤكدة فيه رفضها القاطع لأي طروحات تتعلق بالحكم الذاتي أو الفيدرالية خارج إطار التوافق الوطني.
وشدّد البيان الرئاسي على وحدة سوريا أرضًا وشعبًا، محذرًا مما وصفه بـ”محاولات فرض واقع تقسيمي” وإنشاء كيانات منفصلة تحت مسمّى الفيدرالية، من دون أي غطاء شرعي أو توافق سياسي داخلي. كما أبدت الرئاسة السورية قلقها إزاء ما اعتبرته “توجهات خطيرة نحو التغيير الديمغرافي في بعض المناطق”، ووصفت تلك السياسات بأنها ممارسات تتنافى مع مفاهيم الوحدة الوطنية.
وفي لهجة تعكس استياءً من التطورات الأخيرة، أكدت الرئاسة أن الاتفاق الذي جرى بين الرئيس أحمد الشرع وقيادة “قسد” كان خطوة إيجابية باتجاه التهدئة، لكن تصريحات وتحركات “قسد” الأخيرة، ولا سيما دعوتها إلى الفيدرالية، تتناقض بشكل مباشر مع بنود الاتفاق، وتهدد وحدة البلاد وسلامة أراضيها.
وكان المؤتمر الكردي الذي انعقد في القامشلي قد تبنّى وثيقة سياسية تدعو إلى نظام حكم لا مركزي، برلماني الطابع، يضمن حقوق كافة المكونات السورية. غير أن دمشق رأت في تلك المخرجات مساسًا بمبدأ السيادة الوطنية، داعية قيادة “قسد” إلى الالتزام بالاتفاقات السابقة، وتغليب المصلحة الوطنية على ما وصفته بـ”الحسابات الضيقة أو الإملاءات الخارجية”.
اتفاق “الشرع – عبدي” يترنح: ضغوط داخلية وإقليمية تهدد بتقويض التفاهم التاريخي
يواجه الاتفاق الذي وُصف بالتاريخي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي خطر الانهيار، بعد أسابيع فقط من توقيعه في مارس الماضي، وسط تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، والتباينات المتصاعدة في صفوف “قسد” حول مستقبل العلاقة مع دمشق.
الاتفاق، الذي أعلنته الرئاسة السورية في بيان مشترك، تضمن دمج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري الجديد، وضمّ كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق البلاد، بما في ذلك المعابر الحدودية، والمطار، وحقول النفط والغاز، تحت إدارة الدولة السورية. وقد اعتُبر حينها خطوة مفصلية نحو إعادة توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز السيادة الوطنية.
لكن مصادر محلية أشارت إلى وجود انقسامات داخلية في قيادة “قسد”، بين جناح يؤيد الاتفاق مع الحكومة السورية، وآخر يرفضه خشية فقدان النفوذ المحلي، ما انعكس بشكل واضح في مخرجات مؤتمر “الوحدة الكردية” الذي عُقد في القامشلي، ودعا إلى نظام لا مركزي وحكم فيدرالي، ما اعتبرته دمشق خرقًا صريحًا لبنود الاتفاق.
وتتزامن هذه التطورات مع تلويح تركيا بعملية عسكرية جديدة ضد “قسد”، وسط اتهامات مستمرة بارتباط الأخيرة بحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً، الأمر الذي يزيد من هشاشة المشهد ويعقّد فرص استمرار الاتفاق. ورغم تمسّك دمشق حتى اللحظة بخيار التهدئة، إلا أن انهيار الاتفاق السياسي قد يعيد الخيار العسكري إلى الواجهة كأداة لحسم السيطرة وإعادة ضبط المشهد في الشمال الشرقي للبلاد.
وفي قراءة للمشهد، يرى العميد المتقاعد والخبير العسكري حسام يوسف أن “الشمال السوري يتجه نحو مرحلة مفصلية قد تُعيد رسم خريطة السيطرة والنفوذ، خاصة مع تعثّر المسارات السياسية وعودة نبرة الحسم العسكري”.
ويضيف في حديث لـ”نبض سوريا”: “إن بقاء الوضع الراهن لم يعد ممكنًا، والضغط الإقليمي – لا سيما التركي – سيدفع الأطراف لتجاوز المراوحة الحالية. أي عملية عسكرية قادمة ستكون مختلفة من حيث الحجم والتأثير، وقد تفرض وقائع جديدة تُنهي مرحلة التفاوض الهش، وتفتح الباب أمام ترتيبات أمنية أكثر صلابة”.


